HAVE ANY QUESTIONS? CLICK HERE

Association Ma'onah for Human Rights and Immigration (AMHRI)

    دراسة بعنوان :  ديناميات تعبئة الشتات اليمني منذ عام 2011 . بقلم الباحثة / ميساء شجاع الدين

    دراسة بعنوان : ديناميات تعبئة الشتات اليمني منذ عام 2011 . بقلم الباحثة / ميساء شجاع الدين

    في أعقاب الانتفاضة التي اندلعت عام 2011 وما تبعها من تردّي في هوة سحيقة من الصراع الممتد، ظهرت موجة جديدة من الهجرة اليمنية، اتسمت بخصائص اجتماعية وسياسية مختلفة مقارنةً بموجات الهجرة السابقة، وتميزت بتغيُّر وجهات الهجرة. ونتيجة لذلك، شهدت دراسة بعنوان : ديناميات تعبئة الشتات اليمني منذ عام 2011 . بقلم الباحثة / ميساء شجاع الدين ميساء شجاع الدين باحثة يمنية مقدمة في أعقاب الانتفاضة التي اندلعت عام 2011 وما تبعها من تردّي في هوة سحيقة من الصراع الممتد، ظهرت موجة جديدة من الهجرة اليمنية، اتسمت بخصائص اجتماعية وسياسية مختلفة مقارنةً بموجات الهجرة السابقة، وتميزت بتغيُّر وجهات الهجرة. ونتيجة لذلك، شهدت مجتمعات الشتات اليمنية الموجودة في بلدان مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة تغيرات هامة في التركيبة الاقتصادية والسياسية لأفرادها من المهاجرين، في حين ظهرت مجتمعات شتات جديدة في بلدان لم تكن موجودة ضمن وجهات الهجرة اليمنية. ومن المهم أيضاً إدراك أن هذه التحولات التي طرأت على الهجرة اليمنية هي انعكاس لديناميات الصراع التي تُشكل الوجهة التي يقصدها المهاجرون، وللعلاقات داخل مجتمعات الشتات وديناميات تعبئتهم تجاه اليمن. تتسم هذه الموجة الأخيرة من الهجرة الناجمة عن الصراع بعدد النخب الفكرية والسياسية الكبير؛ بيد أن ذلك لم يُسفر بالضرورة عن زيادة المشاركة أو التعبئة السياسية المستدامة في سبيل بناء السلام أو إعادة الإعمار. تكشف دراسة مجتمعات الشتات اليمنية في ثلاثة دول مستضيفة -المملكة المتحدة ومصر وتركيا- عن كيفية تأثير مساحة حرية التنظيم التي توفرها كل دولة، فضلاً عن ديناميات الصراع في الوطن الأم، على طبيعة المجتمع قيد البحث وموقفه، وتُحدد أشكال وإمكانيات جهود تعبئة الشتات. تُقيِّم هذه الورقة بناءً على إجراء أكثر من عشرين مقابلة واستعراض أنشطة أكثر من اثنتي عشرة منظمة يمنية في الشتات تعمل في المملكة المتحدة ومصر وتركيا، الأدوار السياسية والثقافية والاجتماعية التي يحاول المغتربون اليمنيون الضلوع بها سواء تجاه مجتمع الشتات نفسه أو تجاه اليمن، وكيف تأثرت هذه الأدوار بظلال الصراع اليمني المديدة. بالرغم من أن المغتربين في المملكة المتحدة يشاركون في جهود التعبئة السياسية، فإن هذا التوجه يتميز بنزعات الاستقطاب والتدخل الخارجي لأطراف الصراع التي تسعى إلى حشد الدعم لقضاياها من خلال جالياتها في الشتات. وفي الوقت نفسه، بالنسبة إلى مجتمعات الشتات اليمنية الموجودة في تركيا ومصر، فإن القيود المفروضة على الحيز المدني والخوف من تفاقم الاحتكاكات الداخلية التي تعكس مثيلتها في الوطن الأم، جعلت جهود التعبئة موجهة نحو توفير الخدمات الاجتماعية والأنشطة الثقافية بدلاً من التأثير على السياسات في اليمن. من ثم، ففي حين أن التنظيم السياسي في الشتات من أجل دعم إيجاد حل للصراع يمكن أن يتحقق نظرياً، فإن خصائص مجتمعات الشتات هذه، علاوة على هياكل الفرص السياسية للمجتمعات المُضيفة، قد أدت إلى انخفاض القدرة العامة على التعبئة السياسية بهدف بناء السلام. اليمن: تاريخ من الهجرة والاغتراب شهد تاريخ اليمن ثلاث موجات كبيرة من الهجرة. حدثت الموجة الأولى في أعقاب انهيار سد مأرب خلال القرن الخامس، مما تسبب في انهيار الحضارة اليمنية القديمة، وأسفرت عنها هجرة إلى مناطق مختلفة في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام وشمال أفريقيا. أما الموجة الثانية، التي حدثت بعد ظهور الإسلام خلال القرن الثامن، فقد أفضت إلى الهجرة إلى جنوب شرق آسيا وشمال أفريقيا وإسبانيا (الأندلس) نظراً إلى أن بعض اليمنيين الذين سافروا شاركوا بكثافة في الجيوش الإسلامية التي غزت تلك المناطق. في حين شهدت الموجة الثالثة الكبرى، وهي الهجرة الحديثة، انتقال اليمنيين بأعداد كبيرة إلى دول الخليج، بدايةً من منتصف القرن العشرين وبلغت ذروتها خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات. وبسبب الضرورات الاقتصادية وجاذبية الوظائف ذات الأجور الأعلى بكثير في دول الجوار، اختلفت هذه الموجة من الهجرة بتلك الأعداد الغفيرة عن الموجات السابقة في أنها لم تكن إعادة توطين دائمة وإنما نزوح للعمال الذين كان من المتوقع أن يعودوا إلى وطنهم الأم. وتميزت هذه الهجرة الحديثة بظهور التحويلات الاقتصادية التي أصبحت دعامة للاقتصاد اليمني. وتشير التقديرات الحالية إلى أن أكثر من 10 ملايين يمني قد استقروا في نحو 40 دولة في مختلف أنحاء آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا الشمالية، مما يوفر 3.4 مليار دولار أميركي سنوياً من التحويلات المالية داخل اليمن. الهجرة الحديثة لليمنيين نتجت أيضاً عن شتى الصراعات الأهلية التي شهدتها اليمن خلال الـ 60 عاماً الأخيرة أو نحو ذلك؛ بيد أن ذلك لم يُسفر عن وجود نخبة سياسية كبيرة في الشتات. فقد أدت ثورة الجمهوريين (ثورة 26 سبتمبر) عام 1962 التي اندلعت في شمال اليمن إلى نفي العائلة الملكية فقط. ومن ناحية أخرى، أدى استقلال جنوب اليمن عام 1967، الذي أفضى إلى تأسيس نظام شيوعي عام 1968، إلى هجرة أصحاب الأعمال التجارية (إلى جانب الغربيين وغيرهم من الأجانب) من مدينة عدن، بالإضافة إلى عشرات السلاطين وشيوخ القبائل وعائلاتهم. لكن الأمر الأكثر أهمية هو أن أغلب هذه النخبة لم تكن نشطة سياسياً ولم تحاول معارضة الأنظمة القائمة، بغض النظر عن أماكن استقرارهم. ونظراً إلى أن تقسيم اليمن حدث وفقاً لمعسكرات الحرب الباردة، احتضن شمال اليمن شبه الرأسمالي شخصيات المعارضة من الجنوب الشيوعي والعكس صحيح. وعلى نحو مماثل، بعد إعادة توحيد شطري اليمن عام 1990 أتيحت مساحة معينة للمعارضة السياسية داخل اليمن، تميزت بتزايد الأحزاب السياسية. وفي أعقاب الحرب الأهلية عام 1994، غادرت الشخصيات البارزة في الحزب الاشتراكي اليمن، وهاجرت إلى الإمارات العربية المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية وعمان والمملكة المتحدة. ولكن حتى في ذلك الوقت، ومع ترك مجال للحرية، كانت المعارضة السياسية مُمكنة من خلال الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام. الواقع أن بداية دوامة جديدة من الصراع عام 2011، التي أعقبها اندلاع الحرب الأهلية والإقليمية في 2015، وما ترتب على ذلك من خصائص ديموغرافية في الشتات وأشكال السياسات العابرة للحدود الوطنية التي نتجت عن ذلك، تُشكل في هذا السياق تطوراً جديداً إلى حد كبير في تاريخ الشتات اليمني الطويل. وعلى الرغم من أن معظم اليمنيين هاجروا طوال القرن العشرين لأسباب اقتصادية، فقد ظهر عاملاً سياسياً جديداً نتيجة الحرب الحالية في أعقاب الانتفاضة الشعبية التي اندلعت عام 2011. وقد أدى ذلك إلى تغيير طبيعة الشتات اليمني، ليس فقط من خلال زيادة تدفقات المهاجرين الجدد لأسباب اقتصادية، بل أيضاً من خلال تشكل شتات سياسي أثر بحيوية على السياسات في الوطن الأم. في واقع الأمر، يبدو أن ظاهرة النخب السياسية والناشطين في الشتات الذين يشاركون بفعالية في جهود التعبئة السياسية هي ظاهرة جديدة تماماً في السياق اليمني. ومع ذلك، لا تتسم هذه الظاهرة بطبيعة متجانسة: ذلك أن وجهة المهاجرين اليمنيين تتأثر بالأيديولوجية السياسية والانتماء السياسي، فضلاً عن أنها تُمثل عاملاً وسيطاً هاماً في أشكال تعبئة وتنظيم الشتات. تكشف دراسة مجموعات الشتات اليمني في المملكة المتحدة ومصر وتركيا عن تشكيل التجمعات الديموغرافية في الشتات، وكيفية تأثير هياكل الفرص السياسية المختلفة في الدول المُضيفة على جهود التعبئة العابرة للحدود الوطنية. اليمنيون في المملكة المتحدة: جهود التعبئة المُتغيّرة باستمرار في حين يُقدر عدد الجالية اليمنية في المملكة المتحدة ما بين 70-80 ألف شخص بحسب تعداد عام 2001، وتُمثل واحدة من أقدم الجاليات المسلمة في البلاد، فإن أولئك الذين يضطلعون في الوقت الراهن بفاعلية في جهود التعبئة، سواء بهدف إدماج الشتات أو التأثير على سياسة الحكومة البريطانية تجاه اليمن، هم أبناء الجيل الأول من المهاجرين. ومع زيادة صعوبة زيارة اليمن بسبب الصراع الحالي، أصبحت الروابط مع اليمن ضعيفة أو مفقودة كلياً. فقد اصبح الشعور السائد بين العديد من أبناء الجيل الثاني، على حد قولهم خلال المقابلات والمحادثات غير الرسمية، هو أنهم بريطانيون أكثر من كونهم يمنيين. هذا بالإضافة إلى اتفاق في الآراء على أن اليمن، في ظل هذه الحرب، أصبح بلد لا أمل موجو منه. وقد أدت هذه العوامل إلى الحد من اهتمام أبناء الشتات بالشأن اليمني. ولكن على نفس القدر من الأهمية، أدت الحرب إلى تقسيم الشتات اليمني في المملكة المتحدة على نحو لم يسبق له مثيل وخلقت شعوراً بخيبة الأمل بين معظمهم. وفي حين ما يزال النشاط السياسي للشتات اليمني قائماً في المملكة المتحدة، فإنه لا يحظى بقدر كبير من الحماس، لا سيما بين أبناء شمال اليمن. يعود تاريخ الشتات اليمني في المملكة المتحدة إلى عام 1860 في مدينة ساوث شيلدز الساحلية، وتألف من البحارة الذين هاجروا من المستعمرة البريطانية في مدينة عدن. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومع احتياج بريطانيا إلى العمال، هاجر مئات اليمنيين للعمل في المصانع البريطانية واستقروا في المناطق الصناعية مثل شفيلد وبرمنغهام وليفربول ومانشستر. وعندما تراجع الاقتصاد الصناعي في نهاية السبعينيات، بعد النهضة الاقتصادية التي شهدتها دول جنوب شرق آسيا، انخفضت الهجرة اليمنية، بل وعاد البعض إلى اليمن أو هاجر من جديد إلى دول الخليج. وحتى الثمانينيات، هاجر عدد قليل من اليمنيين برفقة أسرهم؛ بيد أن هذا التوجه بدأ يتغير في السبعينيات عندما استقر الجنوب آسيويين الذين عملوا مع المؤسسة الاستعمارية البريطانية في أفريقيا وآسيا في المملكة المتحدة مع أسرهم في نهاية السبعينيات، الأمر الذي شجع اليمنيين على أن يحذوا حذوهم.1مقابلة أجراها المؤلف، 10 تشرين الأول/أكتوبر 2020. ويعزو أيضاً هذا التوجه نحو هجرة العائلات الكاملة إلى انخفاض المرتبات وارتفاع تكاليف المعيشة في المملكة المتحدة.2مقابلة أجراها المؤلف، 20 تشرين الأول/أكتوبر 2020. أدى هذا التحول في طبيعة الهجرة من مجرد رجال يعيشون بمفردهم بصفتهم عمال غير دائمين إلى أسر تسعى إلى إعادة توطينهم بصورة دائمة أكثر، إلى حدوث تغييرات كبيرة في شواغل وأولويات اليمنيين في الشتات. فقد تأسست أول منظمة يمنية، وهي "الجمعية العلوية"، في أواخر حقبة الثلاثينيات على يد الشيخ عبد الله علي الحكيمي، وهي جمعية دينية صوفية تهدف إلى تقديم الخدمات الاجتماعية للمجتمع اليمني، وتوفير أماكن للتجمع واللقاءات. تراجعت أهمية الجمعية العلوية مع تصاعد النضال السياسي في اليمن، وخاصة مع اندلاع ثورة 26 سبتمبر عام 1962 في شمال اليمن التي أطاحت بالإمامة، وبداية حرب العصابات ضد الاستعمار البريطاني في الجنوب. خلال هذه الفترة، انخرط أفراد الشتات اليمني في المملكة المتحدة بنشاط في السياسة، وانضموا إلى الحركات القومية واليسارية العربية التي تمخضت عن اتحاد العمال العرب الذي تأسس عام 1961. وتضمنت الأنشطة الرئيسية للاتحاد، التي تركزت بصفة أساسية في برمنغهام، جمع التبرعات لمشاريع التنمية في الوطن الأم، وتنظيم حملات سياسية في المملكة المتحدة، وعقد اجتماعات تضم الجالية اليمنية، وتنظيم دروس محو أمية لأفراد الشتات وغيرها من الأنشطة.3Fred Halliday, “Yemeni Workers’ Organizations in Britain”, Race and Class, Vol.33 No.4, 1992. لكن في نهاية السبعينيات ومع التوجه المتزايد نحو هجرة العائلات، تراجع هذا النشاط السياسي لأن المهاجرين أصبحوا أكثر أهتماماً بالحفاظ على هويتهم وعاداتهم. تزامن هذا التحول الديموغرافي أيضاً مع تحول سياسي مهم تدور رحاه في كافة أرجاء العالم العربي. إذ شهدت تلك الفترة تحولاً صوب قضايا الهوية، مع انحسار حركات التحرر والاستقلال السياسي، وصعود حركات الإسلام السياسي. ومثلما أوضح أحد الأشخاص الذين أُجريت معهم مقابلات، أصبح الناس أكثر انشغالاً بقضاياهم الشخصية ونأوا بأنفسهم عن السياسة.4مقابلة أجراها المؤلف، 10 تشرين الأول/أكتوبر 2020. أدت تلك التحولات السياسية والديموغرافية إلى إحداث تغييرات أيضاً في الهيئات التمثيلية اليمنية في المملكة المتحدة. ففي عام 1986، تأسس أول فرع لجمعية الجالية اليمنية في مدينة شفيلد، ليتبعه بعد ذلك فروع أخرى في كثير من المدن البريطانية التي استضافت المهاجرين اليمنيين مثل برمنغهام وليفربول ومانشستر.5مقابلة أجراها المؤلف، 22 تشرين الأول/أكتوبر 2020. لكن وخلافاً للتنظيمات السابقة لم تهتم تلك الجمعيات بالسياسات في الوطن، بل انصب اهتمامها في المقابل على توفير الخدمات الاجتماعية اللازمة لإدماج الجالية اليمنية في المجتمع البريطاني، من قبيل المشورة القانونية وتعليم اللغة الإنجليزية للمهاجرين من كبار السن وتعليم اللغة العربية للأطفال وبناء المساجد. وقد انتخب المهاجرين اليمنيين أعضاء تلك الجمعيات التي تلقت معظم تمويلها من الحكومة البريطانية، ولم تسهم الحكومة اليمنية سوى بنسبة ضئيلة للغاية في تمويلها. في السنوات الأخيرة وتحديداً عام 2010، حدث هذا التحول في اهتمام المهاجرين من الشأن اليمني إلى الأوضاع في المملكة المتحدة نتيجة حدوث تغيير في الارتباطات داخل الشتات وفي قيود التمويل المُقدم في المملكة المتحدة. فمن جهة، تراجعت أهمية تلك الجمعيات لأن الأجيال الجديدة كانت أقل ارتباطاً بالوطن الأم، لكن في الوقت ذاته، كان لا بد من صرف الاهتمام بعيداً عن اليمن لاجتذاب التمويل اللازم للإبقاء على تلك الجمعيات. وكما أخبرنا أحد الأشخاص الذي أجرينا معهم مقابلات، اُتخذ قرار تغيير اسم جمعيتهم في شيفيلد إلى "معاً نتطلع للمجتمع" (Aspiring Community Together) لأن ربط اسمها باليمن حال دون حصولهم على تمويلٍ أكبر. لكنه واصل حديثه موضحاً، "لا ينبغي أن تقتصر أنشطتنا على الوطن، وعلينا أن نكون أكثر نشاطاً وانخراطاً في الشؤون السياسية والاقتصادية البريطانية، هذا الأمر تحديداً يمكن أن يساهم في تطوير الجالية وأن يجعلها أكثر اندماجاً في المجتمع البريطاني".6مقابلة أجراها المؤلف، 22 تشرين الأول/أكتوبر 2020. جهود التعبئة السياسية التي بذلها أبناء اليمن الجنوبي خلفت الحرب الأهلية اليمنية التي دارت رحاها عام 1994 بين الحزب الاشتراكي في الجنوب والحكومة في صنعاء صدعاً بين الجالية اليمنية في المملكة المتحدة، وأعادت الحيوية للنشاط السياسي في الشتات. يعزى هذا جزئياً على الأقل إلى الاتجاهات الجديدة في الهجرة الناتجة عن الحرب: فقد فضل معظم المهاجرين اليمنيين الجنوبيين الذهاب إلى المملكة المتحدة لتكون قاعدة معارضتهم في المنفى بسبب التاريخ الاستعماري في جنوب اليمن والجالية الجنوبية الموجودة بالفعل في المملكة المتحدة،7مقابلة أجراها المؤلف، 22 تشرين الأول/أكتوبر 2020. وهو ما يجعلها وجهة يمكن بلوغها لمعظم الجنوبيين. وبعد ذلك، ستثمر جهود التعبئة السياسية التي زرع بذورها أبناء الشتات اليمني الجنوبي خلال السنوات اللاحقة. وفي عام 1997، تشكلت أول معارضة سياسية يمنية من المنفى منذ الستينيات. تأسست حركة الجبهة الوطنية للمعارضة الجنوبية، برئاسة عبد الرحمن الجفري وبتمويل من الحكومة السعودية حتى عام 2000، في جمع بعض مكونات الشتات الجنوبي للعمل من أجل تأسيس دولة مستقلة، أو على أقل تقدير إصلاح مسار وحدة اليمن. كان من أهدافها توحيد الجنوبيين وإذكاء الوعي حول قضية الجنوب ومحاولة الضغط والتأثير على الحكومة البريطانية. لكن هذه المبادرة لم تدم طويلاً، وتوقف عملها نهائياً في 2002 بسبب انقطاع التمويل السعودي. في عام 2003، تأسس تنظيم معارض جنوبي آخر في المملكة المتحدة وهي التجمع الديمقراطي الجنوبي (تاج). حظي هذا التنظيم بشعبية وسط الجنوبيين في المملكة المتحدة إذ تزامن تأسيسه مع وقت بزوغ الحركة الانفصالية الجديدة في جنوب اليمن.8مقابلة أجراها المؤلف، 16 تشرين الأول/أكتوبر 2020. وبعد مضي 5 سنوات، في عام 2009، تشكل تنظيم آخر، هو "المجلس الأعلى للحراك السلمي لتحرير الجنوب"، برئاسة حيدر أبو بكر العطاس، أول رئيس وزراء لأول حكومة بعد تحقيق الوحدة وقيام الجمهورية اليمنية. عمل هذا المجلس لصالح القضية الجنوبية، مستهدفاً الاشتراكيين بشكل أساسي، ودعى إلى تصحيح مسار الوحدة اليمنية بدلاً من الانفصال. لكن تلك المجموعة تحديداً الدعوات -التي تركز على تصحيح مسار الوحدة وليس الانفصال- لاقت شعبية أقل من مثيلتها التي أطلقها التجمع الديمقراطي الجنوبي. مرحلة ما بعد عام 2011: تزايد التعبئة السياسية والاستقطاب في عام 2011، مع اندلاع الانتفاضة الشعبية، أصبح الشتات اليمني نشطاً بصورة لم يسبق لها مثيل. وأطلق اليمنيون الشماليون مظاهرات وحملات ضغط لدعم الاحتجاجات، وهي حملات سهلتها الأجواء المنفتحة لهذه المظاهرات نظراً للاهتمام والانتباه الكبيرين للغاية اللذين أولتهما الحكومة ووسائل الإعلام البريطانية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن تلك التعبئة التي اضطلع بها المهاجرون من أجل الانتفاضة الشعبية لم تكن تمثل كافة أفراد الشتات، بل على النقيض، تسبب الحراك في انقسام آخر بين اليمنيين الشماليين في المملكة المتحدة، خاصة برمنغهام، حيث انحاز بعضهم لنظام علي عبد الله صالح. وفقاً للمقابلات التي أجريناها، يعكس هذا الانقسام جزئياً الانتماءات الحزبية السياسية المختلفة، تحديداً الانقسام بين من يؤيدون حزب المؤتمر الشعبي الحاكم ومن ينتمون أيديولوجياً لحزب الإصلاح التابع لجماعة الإخوان المسلمين.9مقابلة أجراها المؤلف، 20 تشرين الأول/أكتوبر 2020. وفي حين تعاطف بعض الجنوبيين مع الاحتجاجات وشاركوا في فعاليات كبيرة لتقديم الدعم، إلا أن موافقهم من الوحدة مع الشمال أثرت على غالبيتهم بشدة ، وباتوا متشككين في إمكانية إجراء إصلاح جذري لِمسار الوحدة اليمنية الذي تغيّر جوهرياً. 10مقابلة أجراها المؤلف، 23 تشرين الأول/أكتوبر 2020. لكن مع ذلك، في السنوات الأولى التي أعقبت عام 2011، ساهم أمل اليمنيين في المستقبل والأجواء التفاؤلية إلى حدٍ كبير في تخفيف حدة تلك الانقسامات. بيد أن اندلاع الحرب في اليمن عام 2015 أحدثت صدعاً جديداً بين الجالية اليمنية في المملكة المتحدة، فضلاً عن انتشار قدر من اللامبالاة السياسية. تزايد الانقسام بين المهاجرين الشماليين والجنوبيين، الذين استاءوا كثيراً من الغزو الحوثي لمنطقتهم، ونشطوا في تنظيم التظاهرات لدعم التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات حتى انسحاب القوات الحوثية من الجنوب في تموز/يوليو 2015.11مقابلة أجراها المؤلف، 23 تشرين الأول/أكتوبر 2020. في المقابل انقسم الشماليون حسب موقفهم من تحالف علي عبد الله صالح مع الحوثيين، فقد ساد إحساس بخيبة الأمل لدى غالبيتهم: كان معظم الشماليين معارضين للتحالف الذي تقوده السعودية والإمارات إضافة إلى الحوثيين أيضاً. أسفر ذلك عن فتور سياسي بين الشماليين، الذين أحجموا بالتالي عن اتخاذ أيّ خطوة يمكن أن تساعد ولو من دون قصد في تعزيز أيّ طرف من أطراف الصراع.12مقابلة أجراها المؤلف، 20 تشرين الأول/أكتوبر 2020. لكن تلك اللامبالاة السياسية نتجت أيضاً عن تراجع اهتمام الحكومة ووسائل الإعلام البريطانية بالشأن اليمني، خلافاً لما حدث في 2011. أدى الإعلان عن تأسيس "المجلس الانتقالي الجنوبي" في 2017 إلى تعبئة هائلة من قبل الجنوبيين في الشتات، بما في ذلك تنظيم التظاهرات للإعراب عن دعمهم للمجلس والدعاية له. من المهم الإشارة هنا إلى أن المجلس هو من شجع جهود التعبئة هذه في الشتات. وباعتباره أول هيكل تنظيمي مهم يحاول تمثيل الجنوب، أسس المجلس مكتباً في لندن عام 2019 عقب زيارة رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، إلى المملكة المتحدة والتي نظم خلالها لقاءاً واسعاً مع أبناء الجالية اليمنية في مدينة شيفيلد.13مقابلة أجراها المؤلف، 23 تشرين الأول/أكتوبر 2020. بيد أنه بمرور الوقت، تقلصت جهود التعبئة الجنوبية تلك، وبدأ بعض الجنوبيين في معارضة المجلس الانتقالي، لأنهم اعتبروه غير حازم بما فيه الكفاية في معارضته للحكومة المعترف بها. إلى جانب ذلك، ظهر انقسام جديد بين أبناء الشتات الجنوبي في المملكة المتحدة عقب الاشتباكات التي حدثت في آب/أغسطس 2019،14Helen Lackner and Raiman Al- Hamdani, Raiman, “War and Pieces: Political Divides in Southern Yemen”, European Council on Foreign Relations, January 2020, available at https://ecfr.eu/publication/war_and_pieces_political_divides_in_southern_yemen/. فقد شهدت ديناميات الصراع في الجنوب بزوغ فصائل موالية للمجلس الانتقالي وأخرى مناهضة له، إلا أن المجلس الانتقالي واصل جهوده الرامية إلى التأثير على تعبئة الشتات. بعد افتتاح مكتب المجلس الانتقالي الجنوبي في لندن، تشكلت مجموعة "أصدقاء جنوب اليمن" بهدف التأثير على سياسة الحكومة البريطانية تجاه الجنوب من أجل تأسيس دولة مستقلة في جنوب اليمن تختلف سياستها جزئياً عن سياسات المجلس الانتقالي الجنوبي. تأسست مجموعة أخرى باسم "مجموعة أصدقاء اليمن في حزب العمال" ولكن جزء منهم شماليين فإنها ليست ضمن الانقسام الجنوبي-الجنوبي. ومن المثير للاهتمام أن هذا الاستقطاب المتزايد قد اتخذ أيضاً بُعداً يتجاوز الشتات اليمني. إذ تتواصل الجالية اليمنية مع الجاليات الأخرى المتعاطفة معها ويتلقون الدعم على هيئة أشكال مختلفة من التضامن، بما في ذلك المشاركة في التظاهرات اليمنية أو مساعدتهم في الوصول إلى وسائل الإعلام البريطانية أو صناع القرار. وتُعد الصلات التي تربطهم بأنصار الحوثيين من جانب والمعارضة البحرينية والجالية العراقية الشيعية من جانب آخر أفضل مثال على ذلك. ومن جهة أخرى، يتلقى الجنوبيون دعماً مماثلاً من أبناء الجاليات الأخرى مثل الأكراد وسنة العراق وأبناء أرض الصومال الذين يشاركوا في التظاهرات والفعاليات التي تنظمها الجالية اليمنية. العمل الخيري والثقافي علامات باقية على وحدة الشتات على الرغم من الانقسامات السياسية، من الجدير بالذكر أن جميع من التقيتهم اتفقوا على أن تلك الانقسامات المتعددة ليس لها تأثير كبير على العلاقات الاجتماعية في أوساط الشتات اليمني. فقد أكد جميع من أجريت معهم مقابلات أن العلاقات الاجتماعية بين اليمنيين في الشتات داخل المملكة المتحدة لم تتأثر بالانقسامات

    About AMHRI

    ASSOCIATION MA'ONAH FOR HUMAN RIGHTS AND IMMIGRATION (AMHRI) advocates for the rights of migrants and refugees through evidence-based advocacy, legal support, and community empowerment across 3 international branches.

    Contact Us

    Association Ma'onah for Human Rights and Immigration
    409 Bay Ridge Avenue, Brooklyn, NY 11220
    Phone: +1 929-313-4626
    Email: info@maonah.org